عبد الله بن أحمد النسفي

352

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 14 ] لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 14 ) وإعادة الخلائق بقولهم : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ « 1 » ويردّون الوحدانية باتخاذ الشركاء ويجعلونه بعض الأجسام بقولهم الملائكة بنات اللّه . أو الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ، وذلك أنّ أربد أخا لبيد بن ربيعة العامري « 2 » قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين وفد عليه مع عامر بن الطفيل « 3 » قاصدين لقتله فرمى اللّه عامرا بغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية ، وأرسل على أربد صاعقة فقتله : أخبرني عن ربّنا أمن نحاس هو أم من حديد « 4 » وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ أي المماحلة وهي شدة المماكرة والمكايدة ، ومنه تمحّل لكذا إذا تكلّف استعمال « 5 » الحيلة واجتهد فيه ، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ، والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون . 14 - لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ أضيفت الدعوة « 6 » إلى الحقّ الذي هو ضدّ الباطل للدلالة على أنّ الدعوة ملابسة للحقّ وأنها بمعزل من الباطل ، والمعنى أنّ اللّه سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي سؤله ، فكانت دعوة ملابسة للحقّ ، لكونه حقيقا بأنه يوجّه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه ، واتصال شديد المحال وله دعوة الحقّ بما قبله على قصة أربد ظاهر لأنّ إصابته بالصاعقة محال من اللّه ومكر به من حيث لم يشعر ، وقد دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليه وعلى صاحبه بقوله : ( اللهم اخسفهما بما شئت ) « 7 » فأجيب فيهما ، فكانت الدعوة

--> ( 1 ) يس ، 36 / 78 . ( 2 ) لبيد بن ربيعة بن مالك ، أبو عقيل العامري ، من أهل عالية نجد ، أدرك الإسلام ، ويعد من الصحابة ومن المؤلفة قلوبهم ، سكن الكوفة وعاش طويلا ، وهو أحد أصحاب المعلقات ترك الشعر فلم يقل في الإسلام إلا بيتا واحدا مات عام 41 ه ( الأعلام 5 / 240 ) . ( 3 ) عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر العامري ، من بني عامر بن صعصعة ، فارس قومه في الجاهلية وهو ابن عم لبيد ولد عام 70 ق . ه ومات عام 11 ه كافرا ( الأعلام 3 / 252 ) . ( 4 ) أخرجه الثعلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، والطبراني وابن مردويه عن عطاء عن ابن عباس والنسائي والطبري والعقيلي وأبو يعلى عن ثابت عن أنس ورواه البزار والبيهقي في الدلائل عن ابن غزوان عن ثابت نحوه . ( 5 ) في ( ظ ) لاستعمال الحيلة ، وفي ( ز ) لاستعماله . ( 6 ) ليست في ( ز ) . ( 7 ) ذكره الواحدي في الأسباب عن ابن عباس .